الشيخ محمد رشيد رضا
117
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( قال ) ثم إن هاتين السورتين في التلازم والاتحاد نظير البقرة وآل عمران فتانك اتحدتا في تقرير الأصول من الوحدانية والنبوة ونحوهما . وهاتان في تقرير الفروع الحكمية ، وقد ختمت المائدة بالمنتهى من البعث والجزاء فكأنهما سورة واحدة وقد اشتملت على الاحكام من المبدإ إلى المنتهى اه أقول هذا اجمع ما اطلعنا عليه ولم يأت الرازي ولا البقاعي بشيء جديد . وأنت ترى ان معظم سورة المائدة في محاجة اليهود والنصارى مع شيء من ذكر المنافقين والمشركين وهو ما تكرر في سورة النساء وأطيل به في آخرها ، فهو أقوى المناسبات بين السورتين وأظهر وجوه الاتصال ، كأن ما جاء منه في هذه السورة متمم ومكمل لما فيما قبلها . وفي كل من السورتين طائفة من الاحكام العملية في العبادات والحلال والحرام ، ومن المشترك منها في السورتين آيتا التيمم والوضوء ، وحكم حل المحصنات من المؤمنات وزاد في المائدة حل المحصنات من أهل الكتاب ، فكان متمما لاحكام النكاح في النساء . ومن المشترك في الوصايا العامة الامر بالقيام بالقسط والشهادة بالعدل من غير محاباة لأحد ، وكذا الوصية بالتقوى . ومن لطائف التناسب فيها ان سورة النساء مهدت السبيل لتحريم الخمر وسورة المائدة حرمتها البتة فكانت متممة لشيء فيما قبلها . وانفردت سورة المائدة بأحكام قليلة في الطعام والصيد والاحرام وحكم البغاة المفسدين وحد السارق وكفارة اليمين ، وأمثال هذه الأحكام من كماليات الشريعة المؤذنة بتمامها ، كما انفردت النساء بأحكامهن وأحكام الإرث والقتال وهي مما كان يحتاج اليه عند نزولها . * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ( 2 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ